عدنان بن عبد الله القطان

9 رمضان 1444 هـ – 31 مارس 2023 م

——————————————————————————-

الحمد لله ملأ بنور الإيمان قلوب أهل السعادة، فأقبلت على طاعة ربها منقادة، فحققوا حسن المعتقد، وحسن العمل، وحسن الرضا، وحسن العبادة، نحمده سبحانه ونشكره وقد أذن لمن شكره بالزيادة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تُبَلِغُ صاحبها الحسنى وزيادة، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المخصوص بعموم الرسالة وكمال السيادة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأُوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)

معاشر المسلمين: شهر رمضان المبارك هو موسم العبادات، وهو وقت القربات والطاعات فيه يتنافس الصالحون، وفي ميدانه ومضماره يتسابق المتقون؛ لينالوا بذلك جزيل العطايا، وكريم المنازل عند رب العالمين. والعبادات كثيرة ومتنوعة، شرعها الله تبارك وتعالى رحمة بنا، فمن لم يستطع عبادة من العبادات، فدونه عبادات كثيرة يختار منها ما يشاء، وعلى العبد أن يبذل وسعه وطاقته، ولا يدخر شيئاً من الخير إلا فعله حسبما يستطيع.

ومن العبادات التي ينبغي الحرص عليها في هذا الشهر المبارك، وأن يكثر التنافس فيها: عبادة الصدقة والنفقة في سبيل الله، وبذل وتقديم الطعام للمحتاجين، فكل ذلك من القربات التي يحبها الله تبارك وتعالى، ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في البذل والعطاء في شهر رمضان المبارك؛ كما وصفه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بقوله: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) وكان عليه الصلاة والسلام كريماً جواداً في كل حياته، إلا أنه في رمضان كان يضاعف ذلك الجود وذلك الكرم، وقد كان عليه الصلاة والسلام متصفاً بأنواع الجود كلها، الجود بالمال والجود بالعلم، والجود بالنفس في سبيل الله وتلك هي أعلى درجات الجود.

يجُودُ بالنَّفْسِ إِنْ ضَنَّ الجَوادُ بِها

                                        والجودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غايةِ الجُودِ

يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ الرجل إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ وهو يدعوهم للإسلام: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى معه الْفَاقَةَ والفقر.

وكان الرجل يسلم ربما لا يريد الإسلام بذاته وإنما لما يرى من كثرة عطاء النبي صلى الله عليه وسلم المال والخير، فيأتي ليس رغبة في الإسلام، وإنما طمعاً في المال، ولا يزال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكمته يغدق عليه العطاء حتى يحبَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أحبه تمكّنَ الإيمان في قلبه، وهذا هو المقصد الرئيسي الذي من أجله كان صلى الله عليه وسلم يعطي هذا العطاء.

كان صفوان بن أمية يوم أن كان على شركه، من أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دخل الإسلام إلا خوفاً من السيف، يقول رضي الله عنه لما أسلم: (وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ -وقد أعطاه يوم حنين- مِائَةً مِنَ الإبل، ثُمَّ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً، حتى قال صفوان: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي)

نعم عباد الله علم صفوان حينها أنه لا يعطي أحد هذا العطاء إلا نبيٌ من أنبياء الله، وإلا فما الذي يجبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيه هذا العطاء؟ أهو خوف منه لا والله؟ لقد فتحت مكة فلم يعد هناك خوف، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، لكنه عليه الصلاة والسلام كان رحيماً بهذه الأمة، رحيماً بالناس يريدهم أن يسلموا إسلاماً حقيقياً؛ حتى يأخذ بحجزهم إلى الجنة، وينقذهم من النار، أجارنا الله وإياكم منها. والجود -يا عباد الله- وإنفاق المال وإخراجه في هذا الشهر له مزية خاصة، وذلك يعود لأسباب متعددة: أولها: شرف الزمان؛ فرمضان موسم مبارك، تفضلَّ الله فيه بخيرات كثيرة على عباده، وما ذاك إلا لشرف منزلته، ولهذا أنزل الله في هذا الشهر كتبه الأربعة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) فإذا كان الزمن بهذه المنزلة، فإن الصدقة فيه لها مزية أيضاً، فهي مضاعفة في الأجر والمثوبة… أيها المؤمنون: ومن أسباب كثرة الانفاق والحث عليه في هذا الشهر المبارك: أن فيه إعانة للصائمين المحتاجين على طاعاتهم، فاستحق المعين لهم مثل أجرهم، فمن فطَّر صائماً كان له مثل أجره؛ ولأن الله تبارك وتعالى يجود على عباده في هذا الشهر بالرحمة والمغفرة، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعفو والمغفرة؛ فالجزاء من جنس العمل… ومن مزايا الصدقة في هذا الشهر المبارك: أن الصوم يقع فيه نقص وخلل لا يخلو منه أحد إلا من رحم الله، فمن أجل ترقيع هذا النقص، وسدِّ ذلك الخلل، تأتي الصدقة فتسد ذلك النقص، وتصلح ذلك الخلل الموجود في العبادة؛ ولهذا أوجب الله على الصائم القادر في نهاية الشهر أن يخرج زكاة الفطر؛ لأنها طهرة للصائم من اللغو والرفث والفسوق… ومن مميزات الصدقة في شهر الصوم: أنها سبب لدخول الجنة، فإذا اجتمع الصيام والصدقة كان ذلك مدعاة لنيل أعلى الدرجات في الجنة، قَالَ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًاً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا -يعني مثل الزجاج أسكننا الله وإياكم إياها- أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نيام) فهذه الصفات إذا اجتمعت في المرء فحري أن ينال بها هذه المنازل العليا في جنة الله جل وعلا يقول بعض السلف رحمه الله: (الصَّلَاةُ تُبَلِّغُكَ نِصْفَ الطَّرِيقِ، وَالصِّيَامُ يَبْلُغُ بِكَ بَابَ الْمَلِكِ، وَالصَّدَقَةُ تُدْخِلُكَ عَلَيْهِ).

والمؤمن يا عباد الله هو من يتذكر نعم الله عليه وما أغدقه عليه من الخير والعطاء، فيخفق قلبه رحمة بإخوانه الفقراء والمساكين والمحتاجين فلا يبخل بالخير والجود عليهم.

ولهذا -عباد الله- فمن وفقه الله للعطاء والبذل لإخوانه، فليعلم أن ذلك اصطفاءٌ من الله تعالى، ومن حُبِّبَ إليه الشح والبخل وإمساك اليد، فليعلم أن ذلك حرمان من الله، وأن نفسه الأمارة بالسوء هي التي حثته ودلته على ذلك، وليحذر أن تنزع منه تلك النعمة، قَالَ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلَّهِ عَبَّاداً اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غيرهم) وقال عليه الصلاة والسلام:(ما مِنْ عبدٍ أنْعم الله عليه نِعْمةً فأسْبَغَها عليه، ثُمَّ جعلَ مِنْ حوائجِ الناسِ إليه فتَبَرَّمَ فقدْ عرَّض تلكَ النِّعْمَة لِلزَّوالِ والصدقة -عباد الله- جاءت فيها نصوص كثيرة، تدل على فضلها، فهي من أجل العبادات التي يحبها الله تبارك وتعالى، فقد سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: تُدْخِلُ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ سُرُوراً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْناً، أَوْ تُطْعِمُهُ خُبْزاً) والصدقة سبب لتيسير الأمور، وتفريج الكروب، وإعانة الرب جل وعلا للعبد، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

والصدقة أيضاً مدعاة لزيادة المال، لا كما يظن كثيرون أنها تعني إنقاص المال؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أنه (ما نقصت صدقة من مال) وإنما تزيد البركة في المال.

والصدقة -أيضاً- يستظل بها صاحبها يوم الحر والشدة، يوم القيامة، فمن كان متصدقاً فهو في ظل صدقته في ذلك اليوم.

والصدقة سببٌ في بسطِ الرّزق وطول العمر، تدفَع البلاءَ والأمراضَ والأسقام عن المتصدّق وأهلِ بيته، وتمنَع ميتةَ السّوء ومصارعَ السوء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (باكِروا بالصّدقة، فإنّ البلاءَ لا يتخطّى الصّدقة) وقال: (داوُوا مرضَاكم بالصّدقة) وقال صلى الله عليه وسلم: (صنائعُ المعروف تقِي مصارعَ السوء والآفاتِ والهَلَكات)… ومن ثمار الصدقة: أنها تشرح الصدر، وتدخل السعادة والسرور إلى القلب، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: والمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه وعظم سروره، ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها، لكان العبد حقيقاً بالاستكثار منها والمبادرة إليها). إذن فالإنفاق في سبيل الله سمة الصالحين، وهو خير سينال العبد جزاءه عند رب العالمين، فأنفقوا وتصدقوا ولا تبخلوا: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)

اللهم تقبل منا صدقاتنا وبارك لنا في أرزاقنا وأولادنا وأعمارنا، وأزل همنا وادفع عنا كل سوء ومكروه برحمتك يا أرحم الراحمين.

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم، وبهديِ سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنبٍ فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ لله وليِّ الصّالحين، ونشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له إله الأوّلين والآخرين، ونشهد أنّ سيدنا ونبيّنا محمّداً عبده ورسوله سيّد الخلق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابِه والتّابعين.

أما بعد فيا أيها المسلمون: يدخل في باب النفقة في سبيل الله،  بل هو أولى ما يذكر في هذا الباب إخراج الزكاة، والزكاة فريضة من فرائض الله عز وجل، وركن من أركان الإسلام، وهي أعظم أبواب النفقة، فلئن كنا نتحدث عن فضائل النفقة والصدقة المستحبة بما سمعنا، فإن إخراج الزكاة أعظم أجراً عند الله عز وجل، لأنها فريضة، والله جل وعلا يقول في الحديث القدسي: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) فالزكاة أفضل من الصدقة المستحبة؛ ولذلك قرنها الله في مواطن كثيرة بالصلاة، ذلك لعلو منزلتها، وإنه لمما يؤسف له أن نرى هناك منعاً للزكاة من بعض المسلمين أو ربما تباطؤا عن دفعها مع أن الله أغدق عليهم بالخير، فتجدهم يقبضون أيديهم، وهذه هي صفة المنافقين عياذاً بالله، كما أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) يقبضون أيديهم عن العطاء والبذل، وكأن هذا المال هو مالهم، وما علموا أن المالَ مالُ الله، يجعله في يدك، ولو شاء لنزعه منك وأعطاه لفلان وفلان، وحين يعطيك الله من هذا المال، فقم بأداء الحق الواجب عليك، وإلا فاحذر عقوبة الله عز وجل وإن مما يؤسِف ويندى له الجبين ويتقطع القلب حسرة له أن نرى كثرة الفقراء والمحتاجين، ثم نتأمل فإذا هناك أناس كُثُر من أصحاب الملايين، الذين لو أخرجوا بعض زكاتهم لما بقي بيننا فقير وصاحب حاجة.

ويل لمن كنز المال ولم ينفقه في سبيل الله؟ يقول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)

إن الذي يمنع زكاته متوعد بعقوبة وعذاب يلحقه في الدنيا قبل الآخرة، وانتبهوا -يا عباد الله- فنحن حينما نتحدث عن أصحاب الثروات، والأغنياء والتجار لا يعني أن نعفي أنفسنا نحن، ونقول نحن غير معنين بهذا الكلام، فالله يقول: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) لن تقول لرب العالمين يوم القيامة: حاسب الأغنياء أولاً، فكلٌ سيحاسب عن نفسه؛ ولهذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عامَّاً، ولم يخص أحداً دون أحد، يقول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ -والشجاع الأقرع هو: الثعبان الذي من كثرة سمِّه لا يوجد على رأسه شعر، وهو من أخبث أنواع الثعابين- لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ) وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّار)، هذه عقوبة أولئك الذين شحوا بأموالهم، عادت عليهم عذاباً يوم القيامة. فالنجاة النجاة -يا عباد الله- أنفقوا وتصدقوا، كل بحسب استطاعته، وعلى قدر طاقته، وبما يسر الله له، ولا تستصغروا شيئاً تتصدقوا به واعلموا أنَّ ذلك مخلوف عليكم بخير.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتصدقين والمزكين والراحمين وأن يتقبل منا أعمالنا جميعاً إنه سميع مجيب.

اللهم أخلف على المزكين والمتصدقين نفقاتهم، واغفر لهم وارحمهم، وتقبل منهم، واكتبهم مع عبادك الصالحين، وبارك لهم في أموالهم وفي صحتهم وفي أولادهم وفي أزواجهم وفي أعمارهم إنك سميع الدعاء.

اللهم إنا نعوذ بك من أن نضل أو نضل، أو نزل أو نزل، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.. اللهم آمنا في وطننا وفي خليجنا، واجعله آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.. اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى، وفق ملكنا حمد بن عيسى وولي عهده رئيس وزرائه سلمان بن حمد، اللهم أعنهم على أمور دينهم ودنياهم.  وهيئ لهم من أمرهم رشداً، وأصلح بطانتهم. ووفقهم للعمل الرشيد، والقول السديد، ولما فيه خير البلاد والعباد إنك على كل شيء قدير..

اللهم كن للمستضعفين والمظلومين في كل مكان ناصراً ومؤيداً. اللهم أحفظ المسجد الأقصى، وفك الحصار عنه، واجعله شامخاً عزيزاً عامراً بالطاعة والعبادة إلى يوم الدين.

اللهم فرج الهم عن المهمومين، ونفس الكرب عن المكروبين، واقض الدين عن المدينين واشف مرضانا وعافي مبتلانا وارحم موتانا وموتى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين

الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ وَزِدْ وَبَارِكَ عَلَىَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

        خطبة جامع الفاتح الإسلامي – عدنان بن عبد الله القطان – مملكة البحرين